قلتُ: الأمرُ هنا أمرُ"إيجادٍ"لا أمرُ"إيجاب"،
فلا يُشترط فيه فهمٌ ولا عقل ، لأنَّ الأشياء كلَّها منقادةٌ للَّهِ تعالى ، ومنه قوله تعالى:"إِنَّما أمرُنا لِشَيْءٍ إذَا أرَدْنَاهُ أنْ نقولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"وقوله:"فَقَالَ لها وللأرْضِ ائتِيَا طَوْعاً أو كَرْهاً قَالَتا أتَيْنَا طَائِعِينَ".
11 -قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أهْلِي . .) الآية . قاله هنا بالفاء ، وقال في مريم في قصة زكريا"إذْ نَادَى ربَّهُ نِدَاءً خفياً قال ربّ"بلا فاء . . لأنه أريد بالنداء هنا إرادتُه ، فهي سببٌ له ، فناسبت الفاء الدالة على السببيَّة ، وهناك لم يُردْ ذلكَ ، فناسب تركُ الفاء.
12 -قوله تعالى: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ . .) الآية .
إن قلتَ: هود كان رسولًا ، فكيف لم يُظْهِرْ معجزةً ؟!
قلتُ: قد أظهرها وهي"الريحُ الصَّرْصَرُ"ولا يُقبل قولُ الكفَّار في حقه.
قال بعضهم: أو إنَّ الرسول إنما يَحْتاج إلى معجزة ، إذا كان صاحب شَريعة ، لتنقادَ أمتُه إليها ، إذْ في كل شريعةٍ أحكام غير معقولة ، فيحتاج الرسولُ الآتي بها إلى معجزةٍ ، تشهد بصحة صدقه ، وهودٌ لم يكن له شريعةٌ ، وإِنَّما كان يأمر بالعقل ، فلا يَحْتاج إلى معجزة ، لأنَّ الناسَ ينقادون إلى ما يأمرهم به ، لموافقته للعقل . والمعتمدُ الجوابُ الأول ، ولا يلزم من عدم إظهاره معجزةً ، عدمُها في نفس الأمر ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (( مَا مِنْ نَبِيٍّ إلّاَ وقد أوتيَ منَ الآياتِ ، ما مثلُه آمَن عليهِ البشرُ . .) .
وقولُهم"ما جئتنا ببيِّنةٍ"كقول غيرهم"إنْ هُوَ إلّاَ رجل بهِ جِنَّة""إنَّ هذا لساحر عليم".
13 -قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) .