ثُمَّ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) [النُّورِ: 26] وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [النُّورِ: 3]
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَقُولُ الْأَوَّلِ.
(قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ(43)
وَفِيهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي رَحِمَهُ اللَّه مَعْصُومٌ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ اسْتِثْنَاءُ الْمَعْصُومِ مِنَ الْعَاصِمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) وَذَكَرُوا فِي الْجَوَابِ طُرُقًا كَثِيرَةً.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [هود: 41] فَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى رَحِيمٌ وَأَنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ مِنْ آفَةِ الْغَرَقِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ ابْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَالَ: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْطَأْتَ (لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) وَالْمَعْنَى: إِلَّا ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ أَنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْغَرَقِ فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّه إِلَّا اللَّه الرَّحِيمُ وَتَقْدِيرُهُ: لَا فِرَارَ مِنَ اللَّه إِلَّا إِلَى اللَّه، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دُعَائِهِ: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ»
وَهَذَا تَأْوِيلٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ.