[444] فإن قيل: كيف قال تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: 7] والخطاب عام للمؤمنين والكافرين، فإنه امتحن الفريقين بالأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى أحسن وأحسن، فأما أعمال الفريقين فتفاوتها إلى حسن وقبيح.
قلنا: قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ) [هود: 7] عام أريد به الخاص وهو المؤمنون؛ تشريفا لهم وتخصيصا؛ فصح قوله أحسن عملا.
[445] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) [هود: 12] ولم يقل وضيّق؟
قلنا: ليدل على أن ضيقه عارض غير ثابت، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان أفسح الناس صدرا، ونظيره قولك: زيد سائد وجائد، فإذا أردت وصفه بالسيادة والجود الثابتين المستقرين قلت: زيد سيد وجواد، كذا قال الزمخشري.
[446] فإن قيل: قال تعالى: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ) [هود: 13] أمرهم بالإتيان بمثله وما يأتون به لا يكون مثله، لأن ما يأتون به مفترى والقرآن ليس بمفترى.
قلنا: أراد به مثله في البلاغة والفصاحة وإن كان مفترى. وقيل معناه: مفتريات، كما أن القرآن مفترى في زعمكم واعتقادكم فيتماثلان.
[447] فإن قيل: كيف قال تعالى: (قُلْ فَأْتُوا) [هود: 13] فأفرد في قوله «قُلْ» ثم جمع فقال: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا) [هود: 14] ؟
قلنا: الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الكل، ولكنه جمع في قوله: (لَكُمْ فَاعْلَمُوا) [هود: 14] تفخيما له وتعظيما.
الثاني: أن الخطاب الثاني للنبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانوا يتحدونهم بالقرآن، وقوله تعالى في موضع آخر فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ) [القصص: 50] يعضد الوجه الأول.
الثالث: أن يكون الخطاب في الثاني والثالث للمشركين، والضمير في يستجيبوا لمن استطعتم؛ يعني فإن لم يستجب لكم من تدعونه المظاهرة على معارضته لعجزهم فاعلموا أيها المشركون أنما أنزل بعلم الله، وهذا وجه لطيف.
[448] فإن قيل: قوله تعالى: (وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) [هود: 16] يدل على
بطلان عملهم، فما فائدة قوله بعده وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 16] ؟
قلنا: المراد بقوله تعالى: (وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) [هود: 16] أي بطل ثواب ما صنعوا من الطاعات في الدنيا وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 16] من الرياء.