[449] فإن قيل: كيف قال نوح عليه السلام: وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) [هود: 29] بالواو وقال هود عليه السلام: يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) [هود: 51] بغير الواو؟
قلنا: لأن الضمير في قولهما عليه لتبليغ الرسالة المدلول عليه بأول الكلام في القصتين، ولكن في قصة نوح عليه السلام وقع الفصل بين الضمير وبين ما هو عائد عليه بكلام آخر، فجيء بواو الابتداء. وفي قصة هود عليه السلام لم يقع بينهما فصل فلم يحتج إلى واو الابتداء، هذا ما وقع لي فيه، والله أعلم.
[450] فإن قيل: قوله تعالى: (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [هود: 43] لا يناسبه المستثنى في الظاهر وهو قوله: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) [هود: 43] لأن المرحوم معصوم، فظاهره يقتضي لا معصوم إلا من رحم، أي لا معصوم من الغرق بالطوفان إلا من رحمة الله بالإنجاء في السفينة؟
قلنا: عاصم هنا بمعنى معصوم، كقوله تعالى: (مِنْ ماءٍ دافِقٍ) [الطارق: 6] مدفوق، وقوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [الحاقة: 21] ، أي مرضية، وقول العرب: سر كاتم، أي مكتوم.
الثاني: أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، أي إلا الرّاحم وهو الله تعالى، وليس معناه المرحوم، فكأنه قال: (لا عاصم إلا الله.
الثالث: أن معناه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا مكان من رحم الله من المؤمنين
ونجاهم وهو السفينة، ويناسب هذا الوجه قوله تعالى: (وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [هود: 41] وهذا لأن ابن نوح عليه السلام لما جعل الجبل عاصما من الماء رد نوح عليه السلام ذلك، ودله على العاصم وهو الله تعالى، أو المكان الذي أمر الله بالالتجاء إليه وهو السفينة.
[451] فإن قيل: كيف صح أمر السماء والأرض بقوله تعالى: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) [هود: 44] وهما لا يعقلان، والأمر والنهي إنما يكون لمن يعقل ويفهم الخطاب؟
قلنا: الخطاب لهما في الصورة، والمراد به الخطاب للملائكة الموكلين بتدبيرهما.