وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ فإنه لم يكن فيها صريح ظلم ينسب إليه، ولم يكن ملفوظا به فيؤتى باللفظ الأبلغ في نفيه كما كان في قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ} فإن قال: فلم ادعيت أن هذا أبلغ في الانتفاء من الظلم. قلت: أول ما يستدل به أن من عرف كلام العرب يعقل من قول القائل: ما كنت لأظلمك وما كنت لأشتمك وما كنت لأوذيك ما لا يعقله من قوله:
ما كنت ظالما لك، وما كنت شاتما لك، وما كنت مؤذيا لك لأن ذلك نفي الظلم والشتم في وقت دون وقت، وإذا قال: ما كنت لأشتمك، فكأنه قال: ما كنت بضام
كوني شتيمة لك. فيجعل كونه منافيا لشتمه فإن قال: فلم ذا؟ ألزم لفظة الاستقبال والنصب قلت: لأن التقدير: ما كنت في شيء من الأوقات بمستقبل شتمك، وما كان كوني بضام شتمك، وهذا مستمر أبدا بيني وبينك، فكما لم أشتمك لكوني كذلك لا أشتمك لكوني فإن قال: فلأي معنى لم يجز إظهار «إن» كما جاز في لام كي. قلت:
لأنها لو ظهرت لوجب أن يصح الاسم مكانها، فلما ألزمت لفظة كنت وأكون وجب أن يكون النفي الداخل عليها خبرا أن كوني ينافي أن أفعل كذا وإني كما لم أحصل في حال وجودي على استئناف شتمك، كذلك لا أحصل على هذه الصفة وهي الشروع في شتمك إذ كان وجودي هو الذي ينافيه وجب أن يحفظ لفظ المستقبل المنصوب، فلم يكن بد من إضمار «أن» فإن قال: فهلا جوزت حذف اللام كما كان ذلك في لام كي قلت: