أما بادي بد فإني أحمد الله ، وأما بادئ بدء فإني أحمد الله ، وقيل في واحد الأبداء التي هي المفاصل من الإنسان وغيره: بدء وبدا مقصور غير مهموز . وجاز في اسم الفاعل أن يكون ظرفا كما جاز في فعيل ، نحو: قريب ، ومليّ ، لأن فاعلا وفعيلا يتعاقبان على المعنى ، نحو: عالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، ووال ووليّ ، وحسّن ذلك أيضا إضافته إلى الرأي .
وقد أجروا المصدر أيضا في إضافته إليه في قولهم: إما جهد رأي فإنك منطلق ، فهذا لا يكون إلا ظرفا وفعل إذا كان مصدرا ، وفاعل قد يتفقان في أشياء ، وقد يجوز في قول من همز فقال: بادئ الرأي إذا خفف الهمز أن يقول: بادي فيقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها ، فيكون كقولهم: مير في جمع مئرة ، وذيب في جمع ذئبة ، والعامل في هذا الظرف هو قوله: اتبعك من قوله: ما نراك اتبعك [هود/ 27] ، التقدير: ما اتّبعك في أول رأيهم ، أو فيما ظهر من رأيهم ، إلّا
أراذلنا ، فأخّر الظرف وأوقع بعد إلّا ، ولو كان بدل الظرف غيره لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت: ما أعطيت أحدا إلا زيدا درهما ، فأوقعت بعد إلا اسمين لم يجز ، لأن الفعل أو معنى الفعل في الاستثناء يصل إلى ما انتصب به بتوسط الحرف ، ولا يصل الفعل بتوسط الحرف إلى أكثر من مفعول ، ألا ترى أنك لو قلت: استوى الماء والخشبة ، فنصبت الخشبة ؛ لم يجز أن تتبعه اسما آخر فتنصبه: فكذلك المستثنى إذا ألحقته إلّا ، وأوقعت بعدها اسما مفردا ، لم يجز أن تتبعه آخر ، وقد جاز ذلك في الظرف ، لأن الظرف قد اتّسع فيه في مواضع ، ألا ترى أنهم قد قالوا: كم في الدار رجلا ، ففصلوا بينهما في الكلام ، وقالوا: إن بالزعفران ثوبك مصبوغ ، ولو قلت: إن زيدا عمرا ضارب ، تريد: إن عمرا ضارب زيدا ، لم يجز ، وقال الشاعر:
فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها ... أخاك مصاب القلب جمّ بلابله