لأن الإيمان يتطلب انقياد القلب ، والإسلام يقتضي اتباع أركان الإسلام ، فالإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قل آمنت بالله ثم استقم". وفي هذا القول ذكر محدد بأن الإيمان إنما يكون لله الأعلى .
لكن لو قلت مثلاً:"آمنت أنك رجل طيب"فهذا إيمان له متعلق ، أما إذا ذُكِر الإيمان بإطلاق فهو ينصرف إلى الإيمان بالله تعالى ؛ ولذلك قال الله سبحانه للأعراب:
{ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] .
وهنا يأتي القول على لسان فرعون:
{آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} [يونس: 90] .
والخلاف هنا كان بين الفرعون كجهة كفر ، وبين موسى وهارون وقومهما كجهة إيمان ، وأعلن فرعون إيمانه ، وقال أيضاً:
{وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} [يونس: 90] .
ولم يقبل الله ذلك منه بدليل قوله الحق سبحانه: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}
وهذا يعني: أتقول إنك آمنت الآن وإنك من المسلمين . إن قولك هذا مردود ؛ لأنه جاء في غير وقته ، فهناك فرق بين إيمان الإجْبار وإيمان الاختيار ، أتقول الآن آمنت وأنت قد عصيت من قبل ، وكنت تفسد في الأرض .
وكان من الممكن أن يقبل الله سبحانه منه إيمانه وهو في نجوة بعيدة عن الشر الذي حاق به .
فالحق سبحانه لا يقبل إيمان أحد بلغت روحه الحلقوم ، فهذا إيمان إجبار ، لا إيمان اختيار .
ولو كان المطلوب إيمان الإجبار لأجبر الحق سبحانه الخلق كلهم على أن يؤمنوا ، ولما استطاع أحد أن يكفر بالله تعالى ، وأمامنا الكون كله خاضع لإمره الله سبحانه وتعالى ولا يتأبى فيه أحد على الله تعالى .
وقدرة الحق عز وجل المطلقة قادرة على إجبار البشر على الإيمان ، لكنها تثبت طلاقة القدرة ، ولا تثبت المحبوبية للمعبود .
وهذه المحبوبية للمعبود لا تثبت إلا إذا كان لك خيار في أن تؤمن أو لا تؤمن . والله سبحانه يريد إيمان الاختيار .