ورغم ذلك يتبعهم فرعون وجنوده لعله يدركهم ، وأراد سيدنا موسى عليه السلام بمجرد نجاحه في العبور هو وقومه أن يضرب البحر بعصاه ؛ ليعود إلى قانون السيولة ، ولو فعل ذلك لما سمح لفرعون وجنوده أن يسيروا في الممرات التي بين المياه التي تحولت إلى جبال ، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد غير ذلك ، فقد أراد الحق سبحانه أن ينجي ويهلك بالشيء الواحد ، فأوحى لموسى عليه لسلام:
{واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24] .
أي: اترك البحر على حاله ؛ فينخدع فرعون وجنوده ، وما إن ينزل آخر جندي منهم إلى الممر بين جبال الماء ؛ سيعود البحر إلى حالة السيولة فيغرق فرعون وجنوده ، وينجو موسى وقومه .
ويقول الحق سبحانه:
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} [يونس: 90] .
فهل كان هذا الإتباع دليل إرادة الشر؟
أكان من الممكن أن تكون نية الفرعون أن يدعو موسى وقومه إلى العودة إلى مصر ليستقروا فيها؟
لا ، لم تكن هذه نية الفرعون ؛ لذلك قال الحق سبحانه عن هذا الإتباع: {بَغْياً وَعَدْواً} [يونس: 90] .
أي: أنه اتباع رغبة في الانتقام والإذلال والعدوان .
ويصور القرآن الكريم لحظة غرق فرعون بقوله:
{حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ} [يونس: 90] .
والإدراك: قصد للمدرك أن يلحق بالشيء ، والغرق معنى ، فكيف يتحول المعنى إلى شيء يلاحق الفرعون؟
نعم ، فكأن الغرق جندي من الجنود ، وله عقل ينفعل ؛ فيجري إلى الأحداث:
{حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} [يونس: 90] .
والإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالقوة العليا ، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى قد قال:
{قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] .