ولما قدم ذكر الأموال، وهي أعز ما ادخر، دعا بالطموس عليها، فقال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} ؛ أي: ربنا امحق أموالهم، وأهلكها بالآفات التي تستأصل زروعهم، والجوائح التي تهلك أنعامهم، وتنقص مكاسبهم، فيذوقوا ذل الحاجة. وقرأ الشعبي وفرقة {اطمس} بضم الميم، وهي لغة مشهورة. قال ابن عباس ومحمد بن كعب، صارت دراهمهم حجارة منقوشة صحاحًا وأثلاثًا وأنصافًا، ولم يبق لهم معدن، إلا طمس عليه، فلم ينتفع بها أحد بعد. وقال قتادة بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد أهلكها حتى لا ترى {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ؛ أي: اجعلها قاسية ومربوطة حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان {فَلَا يُؤْمِنُوا} جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي، أو عطف على {لِيُضِلُّوا} {حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} وإنما دعا موسى عليهم بهذا الدعاء، لما علم أن سابق قضاء الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون، فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم؛ أي: واطبع على قلوبهم وزدها قسوة على قسوتها، وإصرارًا وعنادًا فيستحقوا شديد عقابك، ولا يؤمنوا إلا إذا رأوا عذابك، ولا ينفعهم إيمانهم إذ ذاك.
وسبب غضبة موسى: أنه عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضًا مكررًا، وردد عليهم المواعظ والنصائح، ردحًا من الزمن، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما هم عليه من الكفر والضلال المبين، ثم لم يزدهم ذلك إلا كفرًا وعتوًا واستكبارًا في الأرض، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالاختبار أنه لا يكون منهم إلا الضلال، وأن إيمانهم كالمحال، فاشتد عليهم ومقتهم ودعا عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، إذ لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلا أن يخذلوا، ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، ويسيرون قُدُمًا في طريق الغي والهلاك.
وخلاصة ذلك: كأنه قيل: فليثبتوا على ضلالهم، وليطبع الله على قلوبهم، فلا يؤمنوا وما عليّ منهم، هم أهل لذلك وأحق به، وما مثله إلا مثل قول الأب المشفق على ولده، الذي انحرف عن جادة الاستقامة، ولم يقبل منه نصيحة: فلتمض في غوايتك، ولتعث في الأرض فسادًا وهو لا يريد غوايته بل حردًا وغضبًا.