وأنت إن نظرت إلى زينة الفراعنة تجد قناع"توت عنخ آمون"آية في الجمال ، وكذلك كانت قصورهم في قمة الرفاهية ، ويكفي أن ترى الألوان التي صنعت منها دهانات الحوائط في تلك الأيام ؛ لتعرف دقة الصنعة ومدى الترف ، الذي هو أكثر بكثير من الضرورات .
وفي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه:
{وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} [يونس: 88] .
وهم لم يَضِلُّوا فقط بل أرادوا أن يُضِلّوا غيرهم ؛ لذلك تحملوا وِزْر ضلالهم ، ووزر إضلال غيرهم .
فهل أعطاهم الله سبحانه المال والزينة للضلال والإضلال؟
لا ، فليس ذلك علة العطاء ، ولكن هناك لام العاقبة ، مثلما تعطي أنت إبنك عشرة جنيهات وتقول له: افعل بها ما تريد ، وأرجو أن تتصرف فيها تصرفاً يعود عليك بالخير . وقد ينزل هذا الابن ليشتري شيئاً غير مفيد ولا يشتري مثلاً كتباً تفيده .
هنا أنت أعطيت هذا الابن قوة شرائية لكنه لم يحسن التصرف فيها ، وغاية الاختيار هَدَتْه إلى اللعب . وهذا ما يسمى لام العاقبة ، ولام العاقبة لا يكون المقصود بها سبب الفعل ، ولكنها تأتي لبيان عاقبة الفعل .
وحين أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجي موسى عليه السلام ، في طفولته من القتل أوحى إلى أم موسى عليهما السلام بقوله تعالى:
{فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني} [القصص: 7] .
ولا توجد أم تُقبل على تنفيذ مثل هذا الأمر ؛ لأنه موت محقق ؛ لأن الابن إن خُطف أو فُقِد فهذا كله موت مظنون ، أما إلقاؤه في الماء فليس فيه موت مظنون ، بل موت مؤكد ، إن لم يُنجِّه الله تعالى .
ولكن أم موسى لإيمانها بالله فعلت ما أوحى به الله سبحانه وتعالى لها ؛ لأن الوارد من الله تعالى لا يجد في الفطرة منازعاً له .