فإقامة البيوت هنا مشروطة بأن يجعلوا بها قبلة لإقامة الصلاة بعيداً عن أعين الخصوم الذين يضطهونهم ، شأنهم شأن المسلمين الأوائل حينما كان الإسلام في أوليته ضعيفاً بمكة ، وكان المسلمون حين ذاك يصلون في قلب البيوت ، وهذا هو سر عدم الجهر بالصلاة نهاراً ، وعدم الجهر يفيد في ألا ينتبه الخصوم إلى مكان المصلين .
وأما الجهر بالصلاة ليلاً وفجراً ، فقد كان المقصود به أن يعلمهم كيفية قراءة القرآن .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87] .
وقد يكون المقصود بذلك أن تكون البيوت متقابلة .
وإلى يومنا هذا أن نظرت إلى ساحات اليهود في أي بلد من بلاد الدنيا تجد أنهم يقطنون حيّاً واحداً ، ويرفضون أن يذوبوا في الأحياء الأخرى .
ففي كل بلد لهم حي يسكنون فيه ، ويسمى باسم"حي اليهود". وكانت لهم في مصر"حارات"كل منها تسمى باسم"حارة اليهود".
وقد شاء الحق سبحانه وتعالى ذلك وقال في كتابه العزيز:
{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} [البقرة: 61] .
وهم يحتمون بتواجهم معاً ، فإن حدث أمر من الأمور يفزعهم ؛ يصبح من السهل عليهم أن يلتقوا:
أو {واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87] .
أي: أن يكون تخطيط الأماكن والشوارع التي تُبنى عليها البيوت في اتجاه القبلة .
وأي خطأ معماري مثل الذي يوجد في تربيعة بناء مسجد الإمام الحسين بالقاهرة ، هذا الخطأ يوجب الاتجاه إلى اليمين قليلاً مما يسبب بعض الارتباك للمصلين ؛ لأن الانحراف قليلاً إلى اليمين في أثناء الصلاة يقتضي أن يقصر كل صف خلف الصف الآخر .
وحين نصلي في المسجد الحرام بمكة ، نجد بعضاً من المصلين يريدون مساواة الصفوف ، وأن تكون الصفوف مستقيمة ، فنجد من ينبه إلى أن الصف يعتدل بمقدار أطول أضلاع الكعبة ، ثم ينحي الصف .