ولما تقدم العلم بعد الحرب العالمية الأولى واخترعت ألمانيا آلةً لتحطيم الذرة قيل عنها: إنها آلة تحطيم الجوهر الفرد . أي: الشيء الذي لا ينقسم ، وهذه الآلة مكونة من اسطوانتين مثل اسطوانتي عَصَّارة القصب ، والمسافة بين الاسطوانتين لا تكاد تُرَى ، وحين حَطَّمت ألمانيا ما قيل عنه"الجوهر الفرد"تحول إلى ما هو أقل منه ، وتفتَّتت الذرّة .
وقد جعل الحق سبحانه المقياس في الصغر هو الذرة .
وحين اخترعت ألماينا تلك الآلة توجَسّ المتصلون بالدين وخالوا أن يقال: إن الحق سبحانه لم يذكر ما هو أقل من الذرة ، ولكنهم التفتوا إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، فقرأوا قول الحق سبحانه:
{وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] .
و {وَمَا يَعْزُبُ} أي: لا يبعد أو يغيب {عَن رَّبِّكَ} أي: عن عِلْمه {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} . أي: وزن ذَرَّة .
وقديماً قلنا: إن البعض يقول: إن"من"قد تكون حرفاً زائداً في اللغة ، كقولنا:"ما جاءني مِنْ رجل"وتعرب كلمة"من": حرف جر زائد ، و"رجل": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة التي منع من ظهورها اشتعال المحلِّ وهو"اللام"بحركة حرف الجر الزائد .
ولكن في كلام الله لا يوجد حرف زائد ، ف"مِنْ"في قوله: {مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} . أي: من بداية ما يقال له"مثقال".
ويقول الحق سبحانه في آية أخرى .
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض} [سبأ: 3] .