{قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] .
لأنهم لا يرونهم ؛ لحجمهم المتناهي في الصغر .
وهكذا يعطينا الحق سبحانه بياناً عن كل أمة في الحياة ، وأن من بينهم جنوداً يحرسون بيقظة ، فالنملة قامت بإنذار قومها من سليمان وجنوده ، لأنهم لن يروا النمل الصغير .
إذن: الذَّرُّ إما أن يكون النمل الصغير ، وإما أن يكون الذرَّات الهبائية .
وأراد الله سبحانه أن يضرب لنا مثلاً بإحاطة علمه في أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة .
ويعزب ، أي: يغيب ، ويقال:"هذا البئر ماؤه عازب"، أي قادم من عمق بعيد ، ويحتاج استخراجه إلى دَلْوٍ وحبال طويلة .
ونسمِّي الرجل الذي يبعد عن أهله"عَزَب".
وقول الحق سبحانه: {وَمَا يَعْزُبُ} . أي: لا يبعد ولا يغيب عنه أصغر شيء ولا أكبر شيء .
يقول سبحانه ذلك ؛ ليطمئننا أن كل خاطرة من خواطر الإنسان إنما يشهدها الله ، ويَعْلَمُها ، وهو المُجَازِي عليها .
وإن استطاع إنسان أن يُعمِّي على قضاء الأرض ، فلن يستطيع أن يُعمِّي على قضاء السماء .
ومسألة الذرَّة والصغر يقول عنها الحق سبحانه:
{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 78] .
هذا للمتساوِي في الثقل والوزن ، أما إن كان أصغر من الذرة ، فقد ذكره الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فقال:
{وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ} [يونس: 61] .
وعلى زمن نزول القرآن الكريم لم يكن أحد يعرف أن هناك ما هو أصغر من الذرة ، وكنا جميعاً حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى لا نعلم أن هناك شيئاً أصغر من الذرة ، وكان العلماء يعتقدون أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزَّا ؛ لأنها أصغر ما يقع عليه البصر ، فضرب الله مثلاً بالأقل في زمن نزول القرآن .