ولم يوجد عند العرب ما يضرب به المثل على الوزن القليل إلا الذَّرَّة ، وهي النملة الدقيقة الصغيرة جِدّاً ، ثم أطلقت الذرة على الهَبَاء الشائع في الجو ، ويمكنك أن ترى هذا الهَبَاء إن جلست في حجرة مظلمة مغلقة ، ثم دخلها شعاع من ضوء ، هنا ترى هذا الضوء وهو يمر من الثقب وكأنه سهم ، وترى مكوِّنات هذا السهم من ذرات الهباء المتحركة الموجودة في الجو ، تلك الذرات التي لا تراها وأنت في الضوء فقط أو في الظلام فقط ، ولكن التناقض بين الضوء والظلام يُبرزها .
وأنت لا تدرك الشيء ولا تحسه لأمرين: إما لتناهيه في الصغر ، وإما لتناهيه في الكبر ؛ فلا تحيط به ، وحين تقدم العلم التطبيقي اخترعوا المَجَاهر التي تُكبِّر الشيء المتناهي في الصغر آلاف ، أو ملايين المرات .
وأنت لو وضعت جلدك تحت عدسة المجهر فسترى فجوات وكأنها آبار لم تكن تراها أو تحسها من قبل ؛ لأنها بلغت من الدقة والصِّغر بحيث لا تستطيع عيناك أن تدركها ، فإن رأيتها بالمجهر كَبُرَت فترى فجوات وتعاريج وعُلُوّاً وانخفاظاً مهما كان الجلد الذي تراه تحت المجهر ناعماً .
وكذلك أنت لا تقدر على إدراك الشيء الضخم ، وقد تفصل بينك وبين الشيء الكبير مسافة ؛ فتراه أصغر من حجمه ، وكلما ابتعد صَغُرَ ، فأنت إذا رأيت مثلاً رجلاً طويلاً على مسافة كبيرة ، فأنت تراه وكأنه طفل صغير ، وكلما اقترتب منه زاد طوله في عينيك .
إذن: لا الضخامة ولا البُعد ولا القِلَّة تمنع من علم الحق سبحانه لأي شيء .
وقد خاطب الحق سبحانه العرب بأصغر ما عرفوه ، وهو الذرة ، أي: النملة الصغيرة .
وأنت إذا وطأتَ نملة في أرض رملية فهي لا تموت ، بل تدخل في فجوات الرمل ، وتجد لنفسها طريقاً إلى سطح الأرض مرة أخرى .
قد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة حين تحدَّث عن سليمان عليه السلام في وادي النمل ، فقال تعالى: