والعمل هو مجموع الأحداث التي تصدر عن الإنسان ، فكل حدث يصدر من الإنسان ولو بِنيَّة القلب يسمَّى عملاً ؛ لأن عمل القلوب هو النية . ولكن إذا صدر الحدث من اللسان كان قولاً ، وإذا صدر الحدث من بقية الجوارح كان فعلاً .
وهكذا ينقسم العمل إلى قسيمن: قول ، وفعل .
وقد اختُصَّ حدث اللسان باسم القول ؛ لأن أصل مستندات التكليف كلهم قولية .
ثم يقول الحق سبحانه: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: تسرعون إلى العمل بنشاط وحيوية وإقبال مما يدل على حسن الاستجابة للمنهج فور أن يبلَّغه الرسول صلى الله عليه وسلم .
والإقبال على العمل التكليفي بهذا الشوق ، وتلك اللهفة ، وحسن الاستقبال ، وإخلاص الأداء ، كل هذه المعاني يؤول إليها قول الحق سبحانه: {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} كما يفيض ماء الإناء إذا امتلأ لينزل . أي: أن تقبلوا علىأعمال التكليف بسرعة وانصباب وانسكاب .
وقد قال الحق سبحانه: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] .
أي: شَرَعْتُم في الذهاب مسرعين ؛ لأنكم أدَّيتم نُسُكاً أخذتم منه طاقة ، وتقبلون بها على نُسُك ثانٍ .
إذن: فالحق سبحانه يشهد كل عمل منكم ، لكن ماذا عن النيَّات وما يُبيَّت فيها من خواطر .
ها هو الحق سبحانه يخبرنا أن كل شيء مهما صغر واختفى فهو معلوم ومحسوب .
يقول الحق سبحانه:
{وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61] .
أي: كل أمورك ، وأمور الخلق ، والمخلوقات كلها معلومة لله تعالى ، ومكتوبة في كتاب مبين واضح ، فلا أحد بقادر على أن يختلس حركة قلب ، أو يختلس حركة ضمير ، وكملة"يعزب"تعني: يغيب ويختفي .
والحق سبحانه يخبرنا أنه لا يضيع عنده جزاء أي عمل أو نية مهما بلغ العمل أو النية أدنى درجة من القِلَّة .