قال أبو سعيد الخدري"فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله"وقال هلال بن يساف"بالإسلام الذي هداكم إليه. وبالقرآن الذي علمكم إياه، هو خير مما تجمعون: من الذهب والفضة"وكذلك قال ابن عباس والحسن وقتادة"فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن"وقالت طائفة من السلف"فضله: القرآن، ورحمته: الإسلام".
والتحقيق: أن كلا منهما فيه الوصفان، الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال:
{وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} [الشورى: 52] .
والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما.
(فصل)
قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم: ورحمته القرآن، فجعلوا رحمته أخص من فضله. فإن فضله الخاص على أهل الإسلام، ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض. فجعلهم مسلمين بفضله، وأنزل إليهم كتابه برحمته. قال تعالى: {وَما كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}
وقال أبو سعيد الخدري «فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله» .
قلت: يريد بذلك أن هاهنا أمرين:
أحدهما: الفضل في نفسه. والثاني: استعداد المحل لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القليلة النبات فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له. والله أعلم.
وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين: مطلق، ومقيد. فالمطلق:
جاء في الذم كقوله: {لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} وقوله {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}
والمقيد نوعان أيضا: مقيد بالدنيا، ينسي صاحبه فضل الله ومنته، فهو مذموم. كقوله {حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ}
والثاني: مقيد بفضل الله وبرحمته، وهو نوعان أيضا: فضل ورحمة بالسبب وفضل ورحمة بالمسبب.
فالأول: كقوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .
والثاني: كقوله {فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فالفرح بالله ورسوله وبالإيمان والسنة وبالعلم والقرآن من علامات العارفين. قال الله تعالى: {وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}