وَإِذَا قُسِمَتِ الْأَنْوَارُ دُونَ الْجِسْرِ لِلْعُبُورِ عَلَيْهِ بَقُوا فِي الظُّلُمَاتِ، وَمُدْخَلُهُمْ فِي النَّارِ مُظْلِمٌ، وَهَذِهِ الظُّلْمَةُ هِيَ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا الْخَلْقُ أَوَّلًا، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ السَّعَادَةَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا إِلَى النُّورِ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِ الشَّقَاوَةَ تَرَكَهُ فِيهَا، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا"عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ» ) "، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ نُورًا فِي قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَشَعْرِهِ وَبَشَرِهِ وَلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَدَمِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَخَلْفَهُ وَأَمَامَهُ وَأَنْ يَجْعَلَ ذَاتَهُ نُورًا، فَطَلَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّورَ لِذَاتِهِ وَلِأَبْعَاضِهِ وَلِحَوَاسِّهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَلِجِهَاتِهِ السِّتِّ.
وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ"رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ":"الْمُؤْمِنُ مُدْخَلُهُ مِنْ نُورٍ، وَمُخْرَجُهُ مِنْ نُورٍ، وَقَوْلُهُ نُورٌ، وَعَمَلُهُ نُورٌ. ."وَهَذَا النُّورُ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ يَظْهَرُ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَمِينِهِ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ نُورُهُ كَالشَّمْسِ، وَآخَرُ كَالنَّجْمِ، وَآخَرُ كَالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ، وَآخَرُ دُونَ ذَلِكَ حَتَّى"إِنَّ"مِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورًا عَلَى رَأْسِ إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفِئُ أُخْرَى، كَمَا كَانَ نُورُ إِيمَانِهِ وَمُتَابَعَتِهِ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ، فَهُوَ هَذَا بِعَيْنِهِ يَظْهَرُ هُنَاكَ لِلْحِسِّ وَالْعِيَانِ.
(فصل)