فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة: الناقصون والكاملون الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين ، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل الناقصين ، فالقسم الأول هو عامة الخلق ، والقسم الثاني هم الأولياء ، والقسم الثالث هم الأنبياء ، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة ، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة.
ولهذا السر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق المعجزة ، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني ، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها ، فالاستدلال بالمعجز هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن ، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان اللم ، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل.
المسألة الثانية:
اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة: أولها: كونه موعظة من عند الله.
وثانيها: كونه شفاء لما في الصدور.
وثالثها: كونه هدى.
ورابعها: كونه رحمة للمؤمنين.
ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول: إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد ، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها.