وأكثر الواقعين في هذه المنزلة متصوفة هذه الأزمنة المتأخرة، القائلون بالشاهدة، المعرضون عن أمر الواحد الماجد، وأكثرهم حلولية، اتحادية، بطلة، جهلة، إلحادية إلا من عصمه الله تعالى وحفظه، وأقام له من قلبه واعظًا وعظه.
وقد قال شيخ الطائفة أبو القاسم القشيري رحمه الله في"رسالته":
ومن أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة الأحداث، ومن ابتلاه الله تعالى بشيء من ذلك، فبإجماع من الشيوخ أنَّ ذلك عبد أهانه الله وخذله، بل عن نفسه شغله ولو بألف ألف كرامة أَهَّلَهُ، وهب أَنَّهُ بلغ رتبة الشهداء لما في الخبر تلويح بذلك، أليس قد شغل ذلك القلب بمخلوق، فأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب حتى يعد ذلك يسيرًا؛ قال الله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) } [سورة النور: 15] .
إلى أن قال: ومن ارتقى في هذا الباب عن حالة الفسق - وأشار إلى أن ذلك من بلايا الأرواح، وأنه لا يضره - فما قالوه من وساوس القائلين بالشهادة.
قال: وإيراد حكايات عن الشيوخ بما كان الأولى بهم الستر على هناتهم وآفاتهم، فذلك نظير الشرك، وقرين الكفر؛ فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخاطتهم؛ فإن اليسير منه فتح باب الخذلان، ويد وِصال الهجران، ونعوذ بالله من قضاء السوء.
هذا نص القشيري - رضي الله عنه - بحروفه.
وقد أشرت إلى تحرير هذا الموضع بأبسط من ذلك في كتاب"منبر التوحيد"، فليراجَع.
فَصْلُ
وقد جاء الشرع الشريف بالإرشاد إلى أمور تدخل تحت الاختيار إذا أتى بها العبد كُتِب له أجر الشهادة.
فمن ذلك: ما رواه الإمام أحمد، والبخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهَا أَحَبُّ إِلَىْ اللهِ مِنْ هَذهِ الأَيَّامِ؛ يَعْنَيْ أَّيَّامَ العَشْرِ"، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:"وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ مَالِهِ وَلم يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيءٍ".