ما مات مَن ترك الحياةَ وذكرُهُ
عَطِرٌ يطير مع الرياح الأربعِ!
وأنشدوا: ليس من مات فاستراح بميِّت
إنما الميت ميت الأحياء!
وقالوا: رُبَّ حيٍّ رُفاتُ القبر مسكنُه!
ورُبّ ميتٍ على أقدامه انتصبا!
وأنشدوا: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً!
ولكن لا حياةَ لمن تنادي!
19)الموت ورسالتنا في الحياة:
[أ] لا شكّ أنّ الموتَ يُحيي فينا الوعيَ برسالتنا في هذا الوجود؛ كما قال الله عزّ وجلّ: (أَفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجَعون) ! [79] (حتى إذا جاء أحدَهم الموتُ قال ربّ ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تركتُ كلا إنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبعَثون) ! [80]
[ب] فمن عاش في الدنيا حياةً طويلةً وليس له هدفٌ ولا قضيّةٌ إلا عيش البهائم، وغرائز البهائم، وطعام البهائم، وشهوات البهائم؛ فكأنما قضى في يوم مولدِهِ؛ فليس له من الحياة يومُ واحدٌ! ورحم الله الشاطبي حيث قال:
ولو أنّ عيناً ساعدتْ لتوكّفَتْ
سَحائبُها بالدّمعِ دِِيماً وهُطَّلا!
ولكنّها عن قسوةِ القلبِ قَحْطُها
فيا ضيعةَ الأعمارِ تمضي سَبَهْللا! [81]
[ت] وأما العاقلُ الذي أيقن أنّ الحياة قصيرةٌ، ومُتعتها قليلةٌ، وأنه ميّتٌ لا محالة؛ فإنه لا بدّ سيختار ميتةً نبيلةً جليلةً! كما قال ابن نباتة:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيرِهِِ
تنوّعَت الأسبابُ والدّاءُ واحدُ!
[ث] وقد أحسن من قال:
إنّ الرّدى دَيْنٌ عليك قضاؤه
فاسْمَحْ به في أشرفِ الأوطانِ!
من فات أسبابَ الرَّدَى يوم الوغى
لَحِقَتْهُ في أمْنٍ يَدُ الحَدَثانِ!
20)الصلة بين الشهادتين:
[أ] إنّ بين شهادة (أن لا إله إلا الله) ، وبين الشهادة (في سبيل الله) رَحِماً أدْرَكَه أولياء الله؛ فمضوا إلى ربِّهم مخلصين، وقضوا نحبهم في سبيل الله صادقين! كما قال الله عزّ وجلّ: (مِنَ المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه فمنهم من قضى نحبَه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً) ! [82]