فإنّ نحن جرَينا على أنّ نزول السورة كان دفعة واحدة ، وأنّه بعد غزوة تبوك ، كما هو الأرجح ، وهو قول جمهور المفسّرين ، كان محمل هذه الآية أنّها عتاب على ما مضى وكانت {إذا} مستعملة ظرفاً للماضي ، على خلاف غالب استعمالها ، كقوله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} [الجمعة: 11] وقوله: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد} [التوبة: 92] الآية ، فإنّ قوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله} [النساء: 75] صالح لإفادَة ذلك ، وتحذيرٌ من العودة إليه ، لأنّ قوله: {إلاَّ تنفروا} و {إلاّ تنصروه} و {انفروا خفافاً} مراد به ما يستقبل حين يُدعَون إلى غزوة أخرى ، وسنبيّن ذلك مفصّلاً في مواضعه من الآيات.
وإن جرينا على ما عَزاه ابن عطية إلى النقاش: أنّ قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} هي أول آية نزلت من سورة براءة ، كانت الآية عتاباً على تكاسلٍ وتثاقلٍ ظهرا على بعض الناس ، فكانت {إذا} ظرفاً للمستقبل ، على ما هو الغالب فيها ، وكان قوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} [التوبة: 39] تحذيراً من ترك الخروج إلى غزوة تبوك ، وهذا كلّه بعيد ممّا ثبت في"السيرة"وما ترجّح في نزول هذه السورة.
و {مَا} في قوله: و {ما لكم} اسم استفهام إنكاري ، والمعنى: أي شيء ، و لكم خبر عن الاستفهام أي: أي شيء ثَبت لكم.
وإذا ظرف تعلّق بمعنى الاستفهام الإنكاري على معنى: أنّ الإنكار حاصل في ذلك الزمان الذي قيل لهم فيه: انفروا ، وليس مضمّناً معنى الشرط لأنّه ظرفُ مُضيّ.
وجملة {اثاقلتم} في موضع الحال من ضمير الجماعة ، وتلك الحالة هي محل الإنكار ، أي: ما لكم متثاقلين.