الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مَحَلِّ النَّفِيرِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَزْوَةُ تَبُوكَ ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهَا فِي حَمَّارَةِ الْقَيْظِ ، وَطَيِّبِ الثِّمَارِ ، وَبَرْدِ الظِّلَالِ ؛ فَاسْتَوْلَى عَلَى النَّاسِ الْكَسَلُ ، وَغَلَبَهُمْ عَلَى الْمَيْلِ إلَيْهَا الْأَمَلُ ، فَتَقَاعَدُوا عَنْهُ ، وَتَثَاقَلُوا عَلَيْهِ ، فَوَبَّخَهُمْ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ هَذَا ، وَعَابَ عَلَيْهِمْ الْإِيثَارَ لِلدُّنْيَا عَلَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ {اثَّاقَلْتُمْ} : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مَعْنَاهُ تَثَاقَلْتُمْ ، وَهَذَا تَوْبِيخٌ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ ، وَعِتَابٌ فِي التَّقَاعُدِ عَنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْخُرُوجِ.
وَنَحْوُ قَوْلِهِ: {مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} هُوَ قَوْلُهُ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} الْمَعْنَى لَا تُقْبِلُوا عَلَى الْأَمْوَالِ إيثَارًا لَهَا عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَلَا تَرْكَنُوا إلَى التِّجَارَةِ الْحَاضِرَةِ ، تَقْدِيمًا لَهَا عَلَى التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ الَّتِي تُنْجِيكُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ} : يَعْنِي بَدَلًا مِنْ الْآخِرَةِ ، وَيَرِدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ نَثْرًا ، وَنَظْمًا ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ أَرَادَ لَيْتَ لَنَا بَدَلًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ.