وقبل أن يُنزِلَ الحق هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، كان العرب يعترفون بالأشهر الأربعة الحرم ، ولكنهم كانوا يغيِّرون في مواعيدها ، فكانت الجماعة منهم تقاتل الأخرى ، فإذا ما أحسوا بقرب انتصارهم وجاءت الأشهر الحرم قالوا: نستبدل شهراً بشهر ، أي نقاتل في الشهر الحرام ، ثم نأخذ شهراً آخر نمتنع عن القتال فيه ، وحسبوا أنهم ما داموا قد حافظوا على العدد يكونون بذلك قد أدوا مطلوبات الله ، ولكنهم نسوا أنهم لم يحافظوا على المعدود ، ونسوا أن الدين مجموعة من القيم التي لا بد أن نؤمن بها ونطبقها .
والإيمان - كما نعلم - هو انقياد وتسليم لله سبحانه وتعالى ، فإذا أمر الله بأمر من الأمور فلا اختيار لنا فيه ؛ لأنه سبحانه وتعالى يرى بحكمته وعلمه هدفاً أو أهدافاً أو حكمة ، وهنا يجب أن يقف الاختيار البشري ، بمعنى أنه لا أحد يملك تعديل مرادات الله بأي شكل من الأشكال ؛ لأننا في حياتنا اليومية حين نرى واحداً من البشر قد اشتهر بحكمته وعلمه في أمر من الأمور أكثر منا ، نقول له: وكَّلْناكَ في هذا الأمر ، وسنسير وراءك فيما تقرره . ومعنى هذا أننا سنسلم اختيارنا لاختيارات هذا الحكيم .
إننا لا نعطي أحداً هذه الصلاحية إلا إذا تأكدنا بالتجربة أنه عليم بهذه المسألة ، وأنه حكيم في تصرفه .
وإن سألك أحد من الناس: لماذا تتصرف في ضوء ما يقوله لك فلان؟ فتقول: إنه حكيم وخبير في هذه المسائل ، وهذا دليل منك على أنك واثق في علمه ، وواثق في صدقه ، وواثق في حكمته .