ومما حكاه القرآن الكريم من قول سحرة فرعون عندما استسلمت قلوبهم للإيمان فجأة ، فواجههم فرعون بالتهديد المروع البشع الطاغي ، قولهم: {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا. ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين} ومما حكاه كذلك عن الفئة القليلة المؤمنة من بني إسرائيل ، وهي تواجه جالوت وجنوده: {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامناً وانصرنا على القوم الكافرين} ومما حكاه عن الفئات المؤمنة على مدار التاريخ في مواجهة المعركة: {وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا ، والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين} ولقد استقر هذا التعليم في نفوس العصبة المسلمة ؛ فكان هذا شأنها حيثما واجهت عدواً. وقد حكى الله - فيما بعد - عن العصبة التي أصابها القرح في"أحد"؛ فلما دعيت إلى الخروج ثاني يوم ، كان هذا التعليم حاضراً في نفوسها: {الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل} إن ذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى: إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب ؛ والثقة بالله الذي ينصر أولياءه.. وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها ، فهي معركة لله ، لتقرير ألوهيته في الأرض ، وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية ؛ وإذن فهي معركة لتكون كلمة الله هي العليا ؛ لا للسيطرة ، ولا للمغنم ، ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي.. كما أنه توكيد لهذا الواجب - واجب ذكر الله - في أحرج الساعات وأشد المواقف.. وكلها إيحاءات ذات قيمة في المعركة ؛ يحققها هذا التعليم الرباني.