إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى ، والعاصم من العبودية للعباد.. وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له ، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه.
إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله وحده ، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى. يقعون من فورهم عبيداً لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم ؛ فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع"الإنسان"من بين سائر الأنواع ؛ وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب ، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل ، وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا - كما خلقهم الله - في أحسن تقويم.
كذلك يقع الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله في شر العبوديات الأخرى وأحطها.. يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم ، يصرفون حياتهم وفق هواهم ، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر ، مشوبة بحب الاستعلاء ، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى!
ويقعون في عبودية"الحتميات"التي يقال لهم: إنه لا قبل لهم بها ، وإنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها.."حتمية التاريخ".. و"حتمية الاقتصاد".. و"حتمية التطور"وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين"الإنسان"في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه ، ولا أن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة!
ثم نقف كذلك أمام وصف الله - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان:
{إن كنتم آمنتم بالله ، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} ..
لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده - فرقاناً.
.فرقاناً بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالاً - وفرقاناً بمعنى أشمل وأوسع وأَدق وأعمق كثيراً..