وأعلم أن ليس عطف جملة: {ولو أسمعهم لتولوا} على جملة: {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} بمقصود منه تفرعُ الثانية على الأولى تفرعُ القضايا بعضها على بعض في تركيب القياس ، لأن ذلك لا يجيء في القياس الاستثنائي ولا أنه من تفريع النتيجة على المقدمات لأن تفريع الأقيسة بتلك الطريقة التي تشبه التفريع بالفاء ليس أسلوباً عربياً ، فالجملتان في هذه الآية كل واحدة منهما مستقلة عن الأخرى ، ولا تَجمع بينهما إلاّ مناسبة المعنى والغرض ، فليس اقتران هاتين الجملتين هنا بمنزلة اقتران قولهم لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً ، ولو كان النهار موجوداً لدرجت الدواجن ، فإنه قد ينتج: لو كانت الشمس طالعة لدرجت الدواجن ، بواسطة تدرج اللزُومات في ذهن المحجوج تقريباً لفهمه ، فإن ذلك بمنزلة التصريح بنتيحة ثم جعل تلك النتيجة الحاصلةِ مقدمةَ قياس ثان فتُطوى النتيجة لظهورها اختصاراً ، وهذا ليس بأسلوب عربي إنما الأسلوب العربي في إقامة الدليل بالشرطية أن يقتصر على مقدّم وتال ، ثم يُستدرَك عليه بالاستنتاج بذكر نقيض المقدم كقول أبَي بننِ سُلمى بن ربيعة يصف فرسه:
ولو طار ذُو حافر قبلها
لطارت ولكنه لم يطر...
وقول المعري:
ولو دامتْ الدولات كانوا كغيرهم
رعايا ولكنْ ما لهُنّ دوام...
أو بذكر مساوي نقيض المقدم كقول عَمرو بن معديكرب:
فلَوْ أن قومي أنطقَتْني رماحُهم
نَطقْتُ ولكن الرماحَ أجَرتِ...
فإن إجرار اللسان يمنع نطقه ، فكان في معنى ولكن الرماح تُنطقني.
والأكثر أنهم يستغنون عن هذا الاستدراك لظهور الاستنتاج من مجرد ذكر الشرط والجزاء.