وقال ابن عباس في رواية عطاء: {لَأَسْمَعَهُمْ} : يريد: لهداهم.
{وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} رجع تبارك وتعالى إلى ما سبق في علمه وقضائه وقدره فأخبر بما كان قبل أن يكون، ومعنى قوله: (لهداهم) أي: لأسمعهم ما يهتدون به سماع تفهيم.
وشرح أبو علي الجرجاني هذا القول شرحًا شافيًا فقال: إن الله يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، فتأويل قوله: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} أي ليس فيهم خير فلا يسمعهم؛ لأنه جبلهم على ذلك، وهذا مثل قولك للرجل: لو علمت أنك تفهم لأخبرتك، أي: أنك لا تفهم، ثم قال: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} - أي إسماع الإفهام الذي ينفع ويجدي إذا كان في الإنسان خير، وكان سعيدًا - {لَتَوَلَّوْا} أيضًا {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} إخبارًا منه عز وجل عما لا يكون لو يكون كيف يكون، ومثل هذا قوله إخبارًا عن المنافقين: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} [الحشر: 11] فقال الله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ} [الحشر: 12] فأعلمنا أن ذلك لا يكون منهم, ثم قال: {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ} [الحشر: 12] فأعلم عز وجل عما لا يكون بأنه لو كان كيف يكون.
وسلك أبو إسحاق في معنى هذه الآية طريقة حسنة فقال: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} جواب كل ما يسألون عنه، ثم قال: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا} أي لو بين لهم كل ما يختلج في نفوسهم {لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} لمعاندتهم.
واختاره ابن الأنباري وشرحه فقال: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه مما يقترحون ويطالبون من المعجزات، ولو أسمعهم ذلك وأجابهم إلى ما يحبون منه لأعرضوا لعنادهم الحق، وحرصهم على إبطال أعلامه.
قال أصحابنا: وفي الآية دليل واضح على أن المقادير والكفر والإِسلام والخير والشر سابقة ماضية، وأن الشقي لا ينتفع بدعوة الرسول واستماع الحق. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 10/ 80 - 86} .