فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ أَمَّا ذَاتُهُ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْبَشَرِ ؛ وَوُجُودُهُ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَوَحْدَانِيُّتُهُ مَعْلُومَةٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَصِفَاتُهُ يَتَفَاوَتُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَعْرِفَتِهَا .
وَأَعْلَى الْمَعَارِفِ لَا نِهَايَةَ لَهَا ، فَلَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَأَعْلَى الْخَلْقِ مَعْرِفَةً النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ .
وَأَدْنَى الْمَرَاتِبِ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي النَّجَاةِ مِنْ النَّارِ .
وَفِي عِصْمَةِ الدَّمِ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَسَائِطُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا وَاجِبٌ ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ .
وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ ، لِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِهَا وَبِالْإِخْلَالِ بِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ بِتَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ ، فَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ وَقَدْ لَا يَخْرُجُ .
وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ مَزِلَّةُ قَدَمِ
الْمُتَكَلِّمِينَ وَالسَّالِكِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ ، وَيَقِفُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ ، وَأَحْوَالُ الْقُلُوبِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ جِدًّا وَالْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ الْمُفَاضَةُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى وَاسِعَةٌ جِدًّا .
فَالْخَائِفُ مَا مِنْ مَقَامٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ إلَّا وَيَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَلَى خَطَرٍ ، وَيَنْخَلِعُ قَلْبُهُ مِنْ الْهَيْبَةِ فَيَفْزَعُ إلَى الْمَشِيئَةِ وَيَقُولُ حَسْبِي إنْ كُنْت أَدَّيْت الْوَاجِبَ ، وَسِوَاهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَقَامَهُ مَقَامَ الْبَسْطِ وَانْشِرَاحَ الصَّدْرِ بِالْيَقِينِ فَيُطْلِقُ .