متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك انتهى.
{قال لن ترانى} .
قال ابن عطية نصّ على منعه الرؤية في الدنيا ولن تنفي المستقبل فلو بقينا على هذا النفي بمجرّده لتضمن أنّ موسى لا يراه أبداً ولا في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى الحديث المتواتر أن أهل الإيمان يرون الله تعالى يوم القيامة فموسى عليه السلام أحرى برؤيته ، قال الزمخشري: (فإن قلت) : ما معنى {لن} ، (قلت) : تأكيد النفي الذي تعطيه لا وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول لا أفعل غداً فإذا أكدت نفيها قلت لن أفعل غداً والمعنى أن فعله ينافي حال كقوله {لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له} وقوله {لا تدركه الأبصار} نفي للرؤية فيما يستقبل ولن تراني تأكيد وبيان (فإن قلت) : كيف قال لن تراني ولم يقل لن تنظر إليّ لقوله {أنظر إليك} ، (قلت) : لما قال {أرنى} بمعنى اجعلني متمكناً من الرؤية التي هي الإدراك علم أنّ الطلبة هي الرؤية لا النظر الذي لا إدراك معه فقيل لن تراني ولم يقل لن تنظر إليّ.
{ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} قال مجاهد وغيره: ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدّ فإن استقرّ وأطاق الصبر لهيبتي فسيمكنك أنت رؤيتي ، قال ابن عطية: فعلى هذا إنما جعل الله له الجبل مثالاً ، وقالت فرقة: إنما المعنى سأبتدئ لك على الجبل فإن استقرّ لعظمتي فسوف تراني انتهى ، وتعليق الرؤية على تقدير الاستقرار مؤذن بعدمها إن لم يستقر ونبّه بذلك على أنّ الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقر فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقرّ وهذا تسكين لقلب موسى وتخفيف عنه من ثقل أعباء المنع.