قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديثُ مِنْ غير وجه مرفوعاً ، وموقوفاً. انتهى.
قال مجاهد وغيره: إن اللَّه عز وجل قال له: يا موسى ، لن تراني ، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل ، وهو أقوى منك ، وأَشَدُّ ؛ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي ، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي.
قال * ع *: فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً ، قلتُ: وقول * ع *: ولو بَقِينَا مَعَ هذا النفْي بمجرَّده ، لَقَضَيْنَا أنَّه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة ، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه ، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفْيَ المؤبَّد.
قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ ، وذكر الزمخشريُّ في أُنْمُوذجِهِ ؛ أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي ، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى ، وهو اعتقادٌ باطلٌ ؛ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ؛ واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها ، كما في قوله تعالى: {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى} [طه: 91] ، وهو واضح. انتهى ، ونحوه لابْنِ هشامٍ ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ ؛ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ ؛ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في {فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً} [مريم: 26] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة: 95] تَكْراراً ، والأصل عدمه. انتهى من «المغني» .
وقوله سبحانه: {فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} : التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ ، وقوله: {جَعَلَهُ دَكّاً} ، المعنى: جعله أرضاً دكًّا ، يقال: ناقةٌ دَكَّاء ، أَيْ: لا سنامَ لها ، {وَخَرَّ موسى صَعِقاً} ، أي: مغشيًّا عليه ، قاله جماعة من المفسِّرين.
قال * ص *: {وَخَرَّ} معناه سقَطَ ، وقوله: {سبحانك} ، أي: تنزيهاً لك ؛ كذا فسَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وقوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ} ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا ، وأنْتَ لا تبيحها فيها.