50 - {وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ} ؛ أي: بقولهم صبوا علينا من الماء صبا كثيرا {أَوْ} ألقوا علينا {مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى من ثمار الجنة، وأطعمونا منها. وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد، والجوع الشديد لأهل النار.
والمعنى: أن أهل النار يستغيثون بأهل الجنة ويطلبون منهم أن يفيضوا عليهم من النعم الكثيرة التي يتمتعون بها من شراب وطعام. وعن ابن عباس ينادي الرجل أخاه، فيقول: يا أخي أغثني، فإني قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال: أجبه، فيقول: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ.
وعن أبي الدرداء: أنّ الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع - نبات رطبه يسمى شبرقا، ويابسه يسمى ضريعا - لا تقربه دابة لنتن ريحه - لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ - ثم يستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون ويستغيثون، فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد، فيقطع ما في بطونهم، ويستغيثون إلى أهل الجنة، فيقول أهل الجنة: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ، ويقولون لمالك: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، فيجيبهم بعد ألف عام، ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها، فيجيبهم الله سبحانه وتعالى بقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الزفير والشهيق. وهذا طلب منهم مع علمهم باليأس من إجابته؛ إذ يعرفون دوام عقابهم، وأنه لا يفتر عنهم أبدا، ولكن اليائس من الشيء قد يطلبه كما قالوا في أمثالهم: الغريق يتعلق.
{قالُوا} ؛ أي: قال أصحاب الجنة لأهل النار في جواب سؤالهم: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى قد {حَرَّمَهُما} ؛ أي قد حرم ماء الجنة ورزقها {عَلَى الْكافِرِينَ} كما حرم عليهم دخولها، فلا سبيل لإفاضة شيء منهما عليهم، وهم في النار، إذ ليس لهم إلا ماؤها الحميم، وطعامها من الضريع والزقوم. وقوله: