وقال في آية أخرى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ، وقال: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ، ولكن قوله: (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ) أي لا يسأل عما فعل وعن نفس ما ارتكب؛ كم أذنبت؟ وما فعلت؟ ولكن يسأل: لماذا فعلت؟ يسأل عن الحجة: لم أذنبت؟ ولم فعلت ذا؟ أو أن يسأل في وقت، ولا يسأل في وقت آخر.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يسأل عن ذنبه غيره، وإنما يسأل صاحبه وفاعله، يخبر - واللَّه أعلم - أن أمر الآخرة صلى خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤاخذ غيره بذنب آخر وربما يسأل إحضار قريبه، وأما في الآخرة فإنه لا يؤاخذ غيره بذنب آخر كذلك كان ما ذكرنا.
أو أن يكون قوله: (لَا يُسْأَلُ) : عما أظهر وأبدى؛ لكن يسأل عما أسر وأخفى؛ لأن الملائكة قد يكتبون ما أبدوه وأظهروه؛ كقوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فيقع السؤال عما أسروا على التقرير، ولا يسأل بعد ذلك.
وقوله: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) .
قال بعض أهل التأويل: يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى الأمم، ويسأل قومهم: هل بلغ الرسل إليهم الرسالة؟ ويكون سؤالهم الرسل سؤال شهادة - كقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الآية - أنه قد بلغ الرسالة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يسأل الملائكة عن تبليغ الرسالة إلى الأنبياء، ويسأل الأنبياء - عليهم السلام - عن تبليغ الملائكة إليهم، وأمكن أن يكون السؤال للرسل عما أجيبوا، وكان سؤال الأمم عما أجابوا الرسل؛ كقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) ، وكقوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) .