وإذا عرف هذا وأنه ليس فِي الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها ، وكونها ذنوباً تأتى من نفس العبد ، فإن سبب الذنب الظلم والجهل وهما من نفس العبد ، كما أن سبب الخير الحمد والعلم والحكمة والغنى وهي أمور ذاتية للرب [تعالى] وذات الرب [تعالى] مستلزمة للحكمة والخير والجود ، وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم ، وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله عليه وهو أمر خارج عن نفسه ، فمن أراد الله به خيراً أعطاه هذا الفضل فصدر منه بوحيه من الإحسان والبر والطاعة ، ومن أراد به شراً أمسكه عنه وخلاه ودواعى نفسه وطبعه وموجبها فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح ، وليس منعه لذلك ظلماً منه [تعالى] ، فإنه فضله ، وليس من منع فضله ظالماً ، لا سيما إذا منعه عن محل لا يستحقه ولا يليق به. وأيضا فإن هذا الفضل هو توفيقه
وإرادته من نفسه أن يلطف بعبده ويوفقه ويعينه ولا يخلى بينه وبين نفسه ، وهذا محض فعله وفضله ، وهو سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لهذا الفضل ويليق به ويثمر [فيه] ويزكو به. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله {وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّيَقُولوَاْ أَهَؤُلآءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] ، فأخبر سبحانه أنه أعلم بمن يعرف قدر هذه النعمة ويشكره عليها.