والقضاءُ والقدر عندهم أربع مراتب جاءَ بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى: الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم. الثانية كتابة ذلك فِي الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض. الثالثة مشيئته المتناولة لكل موجود ، فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه. الرابعة خلقه له وإيجاده وتكوينه ، فإنه لا خالق إلا الله ، والله خالق كل شيء . فالخالق عندهم واحد وما سواه فمخلوق ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق ، ويؤمنون مع ذلك بحكمته ، وأنه حكيم فِي كل ما فعله وخلقه ، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه ، وإن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته ، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها ، بل هي أمر وراء ذلك ، وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده ، ولأجلها خلق فسوَّى وقَدَّر فهدى ، وأمات وأحيا وأسعد وأشقى ، وأضل وهدى ومنع وأعطى ، وهذه الحكمة هي الغاية ، والفعل وسيلة إليها ، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفى للغايات وهو محال ، إذ نفي الغاية مستلزم لنفى الوسيلة ، فنفي الوسيلة
وهي الفعل لازم لنفى الغاية وهي الحكمة ، ونفى قيام الفعل والحكمة به نفى لهما فِي الحقيقة ، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل ، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته ، وهذا لازم لمن نفى ذلك ، ولا محيد له عنه وإن أبى التزامه ، وأما من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة ، بل قوله حق ، ولازم الحق حق كائناً ما كان