إذن ، معنا قضيّتان قطعيّتا الثبوت:
إحداهما: كون الْإِنْسَاْن يعمل بقدرة وإرادة يبعثها علمه على الفعل أو الترك والكف ، وهي بديهية .
والثانية: هي أن الله هو الخالق الذي بيده ملكوت كلّ شيء ٍ ، وهي نظرية ويتولّد من هاتين القضيتين القطعيّتين مسألتان نظريتان:
الأولى: ما الفرق بين علم الله تعالى وإرادته وقدرته ، وبين علم الإنسان وإرادته وقدرته ؟ والجواب من وجوه:
إحداها: أن صفات الله قديمة بقدمه فهي ثابتة له لذاته . وصفات الإنسان حادثة بحدوثه وهي موهوبة له من الله تعالى كذاته .
ثانيها: أن علم الله محيط بكلّ شيء ٍ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة 255] . وأما الإنسان فما أوتي: {مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء 85] ! وإرادة الله تعالى لا تتغيّر ولا تقبل الفسخ لأنها عن علمٍ تامٍّ . بخلاف إرادة الإنسان فإنها تتردد لتردّده في العلم بالشيء . وتفسخ لظهور الخطأ في العلم الذي بنيت عليه . وتتجدّد لتجدد علمٍ لمن لم يكن له من قبل . وقدرةُ الله تعالى متصرّفة في كلّ ممكن . فيفعل كلّ ما يعلم أنّ فيه الحكمة . وقدرة الإنسان لا تصرّف لها ولا كسب إلاّ في أقلّ القليل من الممكنات . فكم من أمرٍ يعلم أن فيه مصلحته ومنفعةً له وهو لا يقدر على القيام به .
ثالثها: أن صفات الإنسان عرضة للضعف والزوال ، وصفات الله تعالى أبدية كما أنّها أزلية . وبالجملة: إنّ المشاركة بين صفات الله تعالى وصفات عباده إنّما هي في الاسم ، لا في الجنس كما زعم بعضهم ، فبطل زعم من قال: إن إثبات كون الأفعال التي تصدر من الإنسان هي بقدرته وإرادته - يقتضي أن يكون شريكاً لله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] .