المسألة الثانية: - وهي عضلة العقد ومحكّ المنتقد - أن القضاء عبارة عن تعلّق علم الله تعالى أو إرادته في الأزل ؛ بأنّ الشيء يكون على الوجه المخصوص من الوجوه الممكنة ، والقدر وقوع الأشياء فيما لا يزال على وفق ما سبق في الأزل .
ومن الأشياء التي يتعلق بها القضاء والقدر أفعال العباد الاختيارية . فإذا كان قد سبق القضاء المبرم - بأن زيداً يعيش كافراً ويموت كافراً - فما معنى مطالبته بالإيمان وهو ليس في طاقته ؟ ولا يمكن في الواقع ونفس الأمر أن يصدر منه . لأنه في الحقيقة مجبور على الكفر في صورة مختار له ؟ كما قال بعضهم .
والجواب عن هذا: أن تعلق العلم والإرادة بأن فلاناً يفعل كذا ، لا ينافي أن يفعله باختيار ، إلا إذا تعلق العلم بأن يفعله مضطراً كحركة المرتعش مثلاً . ولكن أفعال العباد الاختيارية قد سبق في القضاء بأنها تقع اختيارية ، أي: بإرادة فاعليها لا رغماً عنهم . وبهذا صح التكليف ولم يكن التشريع عبثاً ولا لغواً .
وثم وجه آخر في الجواب ، وهو: لو كان سبق العلم أو الإرادة بأن فاعلاً يفعل كذا ، يستلزم أن يكون ذلك الفاعل مجبوراً على فعله ، لكان الواجب ، تعالى وتقدس ، مجبوراً على أفعاله كلها . لأن العلم الأزليّ قد تعلق بذلك ، وكل ما تعلق به العلم الصحيح لا بد من وقوعه .