فتبين - بهذا - أن الجبرية ومن تلا تلوهم قد غفلوا عن معنى الاختيار، واشتبهت عليهم الأنظار، فكابروا الحسّ والوجدان، ودابروا الدليل والبرهان، وعطلوا الشرائع والأديان، وتوهموا أنهم يعظمون الله ولكنهم ما قدروه حق قدره، ولا فقهوا سر نهيه وأمره، حيث جرّؤا الجهال على التنصل من تبعة الذنوب والأوزار، وادعاء البراءة لأنفسهم والإحالة باللوم على القضاء والقدر، وذلك تنزيه لأنفسهم من دون الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. بل ذلك إغراء للإنسان بالانغماس في الفسوق والعصيان. فيا عجباً لهم كيف جعلوا أعظم الزواجر من الإغراء، وهو الاعتقاد بإحاطة علم الله بالأشياء! أليس من شأن من لم يفسد الجبر فطرته، ويظلم الجهل بصيرته، أن يكون أعظم مهذب لنفسه، ومؤدب لعقله وحسه، اعتقاده بأن الله عليهم بما يسر ويعلن، ويظهر ويبطن، وأنه ناظر إليه ومطلع عليه.؟ بلى! إن الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأما الذين ضلوا السبيل، واتبعوا فاسد التأويل، فيقولون كما قال من قبلهم وقص الله علينا ذلك بقوله عزّ وجلّ {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا} [وفي المطبوع: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا. .] الآية. فانظر كيف رماهم العليم الحكيم بالجهل، وجعل احتجاجهم بالقدر من أسباب وقوع البأس والبلاء بهم.
وفي هذا القدر كفاية لمن لم ينطمس نور الفطرة من قبله، والله عليم حكيم. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 6 صـ 530 - 545}