الفرقة الأولى: جعلت هذه الحجة حجة صحيحة ، وأنّ للمحتج بها الحجة على الله . ثم افترق هؤلاء فرقتين: (فرقة) كذبت بالأمر والوعد والوعيد ، وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد ، بعد هذا ، يكون ظلماً ، والله لا يظلم من خلقه أحداً ! و (فرقة) صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد وقالت: ليس ذلك بظلم . والله يتصرف في ملكه كيف يشاء ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه ، بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده . إذ العبد فعل له ، والملك ملكه ولا يسأل عما يفعل وهم يُسألُونَ . فإنَّ هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة - التي حكاها الله عنهم - استهزاء منهم ، ولو قالوا - اعتقاداً للقضاء والقدر ، وإسناداً لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته - لم ينكر عليهم . ومضمون قول هذه الفرقة إنّ هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد - لا على جهة الاستهزاء - فيكون للمشركين على الله الحجّة ، وكفى بهذا القول فساداً وبطلاناً .
الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة إذْ لو صحت المشيئة العامة - وكان الله قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان - لكانوا قد قالوا الحق ، وكان الله يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم . فحيث وصفه بالخرص - الذي هو الكذب - ونفى عنهم العلم , دلّ على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح , وأنهم كاذبون فيه ؛ إذْ لو كان علماً لكانوا صادقين في الإخبار به , ولم يقل لهم: هل عندكم من علم .