ووجه الردّ: أن (لو) إذا دخلت على فعل مثبت نفته ؛ فيقتضي ذلك أن الله تعالى لما قال: {فَلَوْ شَاء} لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم . ولو شاءها لوقعت . فهذا تصريح ببطلان زعمهم ومحلّ عقدهم . فإذا ثبت اشتمال الآية على ردّ عقيدة الطائفتين المذكورتين - المجبرة في أوّلها والمعتزلة في آخرها - فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنة منطبقة عليها . فإن أوّلها - كما بيّنا - يثبت للعبد اختياراً وقدرةً على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان ، وآخرها يثبت نفوذ الله في العبد ، وأنّ جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية ، خيراً أو غيره . وذلك عين عقيدتهم . فإنهم - كما يثبتون للعبد مشيئةً وقدرة - يسلبون تأثيرها ، ويعتقدون أن ثبوتهما قاطع لحجّته ، ملزم له بالطاعة على وفق اختياره . ويثبتون نفوذ مشيئة الله أيضاً وقدرته في أفعال عباده فهم - كما رأيت - تبعٌ للكتاب العزيز: يثبتون ما أثبت ، وينفون ما نفى ، مؤيدون بالعقل والنقل . والله الموفق . انتهى .
وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قيل له: إن ناساً يقولون: ليس الشرّ بقَدَرَ . فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الأنعام 148] - إلى قوله: {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} .
وبتحقيق هذه الوجوه يسقط قول الطبرسي المعتزلي: لو كان الأمر على ما قاله أهل الجبر - من أن الله تعالى شاء منهم الكفر - لكانت الحجة للكفّار على الله ، من حيث فعلوا ما شاء الله ، ولكانوا بذلك مطيعين له . لأن الطاعة هي امتثال الأمر المراد ، ولا تكون الحجة لله عليهم على قولهم ، من حيث إنه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر . فأيّ حجّة له عليهم مع ذلك ؟ انتهى .