إن كل مرئي لا يرى الرائي إذا رآه منه إلا قدر منزلته ورتبته فما رآه وما رأى إلا نفسه ولولا ذلك ما تفاضلت الرؤية في الرائين إذ لو كان هو المرئي ما اختلفوا لكن لما كان هو سبحانه مجلي رؤيتهم أنفسهم لذلك وصفوه بأنه جل شأنه يتجلى ولكن شغل الرائي برؤية نفسه في مجلى الحق حجبه عن رؤية الحق فلو لم تبد للرائي صورته أو صورة كون من الأكوان ربما كان يراه فما حجبنا عنه إلا رؤية نفوسنا فيه فلو زلنا عنا ما رأيناه لأنه ما كان يبقى بزوالنا من يراه وإن نحن لم نزل فما نرى إلا نفوسنا فيه وصورنا وقدرنا ومنزلتنا فعلى كل حال ما رأيناه وقد نتوسع فنقول: قد رأيناه ونصدق كما أنه لو قلنا رأينا الإنسان صدقنا في أن نقول رأينا من مضى من الناس ومن بقي ومن في زماننا من كونهم إنساناً لا من حيث شخصية كل إنسان ولما كان العالم أجمعه وآحاده على صورة حق ورأينا الحق فقد رأيناه وصدقنا وإذا نظرنا في عين التمييز في عين عين لم نصدق إلى آخر ما قال.
وفي ذلك تحقيق نفيس لهذا المطلب، ومنه يعلم ما في قول بعضهم {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار} لغاية ظهوره سبحانه {وَهُوَ اللطيف} إذ لا ألطف كما قال الشيخ الأكبر قدس سره من هوية تكون عين بصر العبد {الخبير} [الأنعام: 103] أي العليم خبرة أنه بصر العبد {والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ} [البروج: 20] و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السميع البصير} [الشورى: 11] وعن الجنيد قدس سره اللطيف من نور قلبك بالهدى وربى جسمك بالغذاء وجعل لك الولاية بالبلوى.
ويحرسك وأنت في لظى.
ويدخلك جنة المأوى.
وقال غيره: اللطيف إن دعوته لباك وإن قصدته آواك، وإن أحببته أدناك وإن أطعته كافك.
وان أغضبته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك.
وإن أقبلت إليه هداك وإن عصيته راعاك.
وهو كلام ما ألطفه {قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} وهي صور تجليات صفاته.