وإذا عرف نفسه: نشأ من ذلك الحياء والخوف من الله، والتواضع له، والافتقار إليه، والتوكل عليه.
وإذا عرف الدنيا، وسرعة زوالها؛ نشأ من ذلك شدة الرغبة عنها.
وإذا عرف الآخرة، وكمال نعيم الجنة، نشأ من ذلك شدة الرغبة فيها، والمسارعة إلى الأعمال التي توصل إليها.
وإذا عرف شدة عذاب النار: نشأ من ذلك شدة الفرار منها بالحذر من الشرك والمعاصي.
والدين خطوتان: خطوة للعبادة .. وخطوة للدعوة .. ومصباحهما العلم .. ومحركهما الإيمان .. فمن خطاهما معاً .. أدى الأمانة .. ووصل إلى الجنة.
والدنيا مجلسان: مجلس في طلب الآخرة .. ومجلس في طلب الحلال.
والثالث يضر لا ينفع فاجتنبه.
والدنيا والآخرة ضرتان إن ملت إلى إحداهما أضررت بالأخرى، وبينهما في
الجمال والكمال والدوام أبعد مما بين المشرق والمغرب.
والآخرة خير من الأولى كما قال سبحانه: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) } [الأعلى: 16، 17]
فسرور الدنيا كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، إقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزالها.
إن مشيت عليها حملتك، وإن حملتها قتلتك، وإن أقبلت عليك شغلتك، وإن أدبرت عنك أحزنتك، وإن تكثرت منها أطغتك كما قال سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) } [العلق: 6، 7] .
ويكفي في هوانها على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها، وكل ما فيها متاع زائل كما قال سبحانه: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) } [الشورى: 36] .
والدنيا دار الغربة، والعبد فيها على جناح سفر، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فليكن فيها كأنه غريب أو عابر سبيل.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» أخرجه الترمذي وابن ماجة.