وروى أبو نعيم عن عبد العزيز بن أبي خالد قال: مرَّ سفيان الثوري رحمه الله بالغاضري، وهو يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله يوما يخسرُ فيه المبطلون؟ فما زالت تُعرَفُ في وجهِ الغاضري حتى لقي الله عز وجل.
وروى البيهقي في"شعبه"عن ابن عمر - رضي الله عنهما: أنه مرَّ على قوم وعليه بردةٌ حسناء، فقال رجل من القوم: إن أنا سلبته بردته فما لي عندكم؟ فجعلوا له شيئًا، فأتاه، فقال: يا أبا عبد الرحمن! بردتك هذه لي، فقال: إني اشتريتها أمس، قال: قد أعلمتك وأنت في حرج من لبسها، فخلعها ليدفعها إليه، فضحك القوم، فقال: ما لكم؟ فقالوا له: هذا رجل بطال، فالتفت إليه، فقال له: يا أخي! أما علمت أن الموت أمامك لا تدري متى يأتيك صباحاً أو مساءً، ليلاً أو نهارًا، ثم القبر وهول المطلع، ومنكر ونكير، وبعد ذلك القيامة يوم يخسر المبطلون؟ فأبكاهم، ومضى.
وروى الإِمام أبو الفتوح محمَّد بن محمَّد بن علي الطائي في"أربعينه"عن أبي بكر الآجري رحمه الله تعالى قال: كان ابن المبارك كثيرًا ينشد بهذه الأبيات: من الخفيف
اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إِلَىْ الله ... إِذا كُنْتَ فارِغا وَمُسْتَرِيْحا
وإذا ما هَمَمْتَ بِالنُّطْقِ بِالْبا ... طِلِ فَاجْعَلْ مَكانَهُ تَسْبِيْحاً
فَاغْتِنامُ السُّكُوْتِ أَفْضَلُ مِنْ خَوْ ... ضٍ وَإِنْ كُنْتَ بِالْكَلامِ فَصِيْحاً
وروى أبو نعيم عن حبيب الفارسي رحمه الله تعالى قال: لأن أكون في صحراء ليس علي إلا ظلة وأنا بارٌ بربِّي، أحبُّ إلى من جنتكم هذه.
والمراد بالبر أن يكون محسنا فيما بينه وبين الله تعالى، وهو الإحسان الذي بيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الصحيحين:"أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنهُ يَرَاك"؛ والمعنى أن تعبدهُ وأنت شاهده بقلبك، وهو عبارة عن حضور القلب مع الله تعالى،"فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ أي: فإن لم تعبده على المشاهدة، فعلى المراقبة، بأن تعلم أنَّه رقيب
عليك، مُطَّلع على سرك وعلانيتك، وهذه الصفة لا بد منها حتى يكون العبد باراً بربه عز وجل.