وروى أبو نعيم عن عمران بن مسلم - وهو المعروف بالقصير - قال: كان جعفر بن زيد رحمه الله تعالى يقول في كلامه: ما أحلى ذكرَك في أفواه الأبرار، وأعظمك في قلوب المؤمنين.
فيه إشارة أن لذكر الله تعالى من أفواه الأبرار - أعني: الصادقين - مزية لم تكن لذكره من أفواه غيرهم؛ لأن كل كلام يبرز من فم متكلم يبرز وكسوة قلب ذلك المتكلم عليه، فإذا كان الكلام ذكرًا لم يكن أحسن منه، ولا أعلى.
وفي الحديث الصحيح:"مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِيْ يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَريحُهَا طَيِّبَهٌ".
وروى أبو نعيم عن إبراهيم بن شيبان رحمه الله تعالى قال: من أراد أن يكون معدودًا في الأحرار، مذكوراً عند الأبرار، فليخلص عبادة ربه؛ فإن المحقق في العيون مُسَلَّم من الأغيار.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"الإخلاص والنية"عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: إنَّ الأبرار تغلي قلوبهم بأعمال البر؛ فانظروا
ما همومكم رحمكم الله!.
وعن يزيد الرقاشي رحمه الله قال: للأبرار همم تبلغهم أعمال البر، وكفاك بهمة دعتكَ إلى خير خيرًا.
وعن نعيم بن صبيح السعدي - وكان يعدُّ من حكماء بني تميم - قال: همم الأبرار متصلة بمحبة الرحمن، وقلوبهم تنظر إلى مواضع العز من الآخرة بنور أبصارهم، فأهواؤهم بها متعلقة، وأنفسهم إليها منطلقة، وأعينهم نحوها طامحة، قد جلا رجاؤهم إياها عنهم كلَّ كربة، وهوَّن عليهم كلَّ شدة، مسجونون في طرق الدنيا بين أهلها، مغمومون لطول البقاء فيها عند محبة أهل الدنيا لطول العمر فيها، تخبرهم دواعي الخير من أنفسهم أنْ لا راحة لهم دون الخروج منها، والكينونة عند مسرة أهلها فيها، فأنفسهم أشد اشتياقا إلى مفارقة الدنيا من الظمآن إلى الشراب عند انقطاع الرَّجاء، سكنت مشارق الجنة قلوبهم، ومخاوف النار أجوافهم، فأهملوا لذلك العيون، وغضوا عن الدنيا لذلك الجفون، وَسَمَوْا بالقربة إلى معالي العز.
وروى الدينوري في"المجالسة"، وابن أبي حاتم عن الحسن: أنه سئل عن الأبرار: من هم؟ قال: هم الذي لا يؤذون الذَّرَّ.
والمراد بالذَّرِّ: النمل الصغير.