والمعنى: إن أذاهم مأمون لا يتوقع منهم أنهم يؤذون شيئًا حتى الذَّرَّ.
ويوافق هذا ما رواه الأصبهاني في"الترغيب"عن أبي قرة رحمه الله قال: دخلنا على فضيل بن عياض بمكة، فقال لي: من أين أنتم؟ قلنا: إننا من أهل خراسان، فقال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنَّ العبد لو أحسن الإحسان كلهُ، وكانت له دجاجة فأساء إليها، لم يكتب من المحسنين.
وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء". رواه الإِمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شداد بن أوس - رضي الله عنه -.
بل روى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام: إنَّما الإحسان أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك.
وصدق عليه السلام؛ لأن هذا مكافأة، وحقيقة الإحسان التفضل.
وروى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي عن عبد الله ابن عمرو - رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال:"لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَ الوَاصِلَ الّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُه وَصَلهَا".
والذي أراه: أن من وصل من الإحسان إلى هذه المرتبة، فقد تجاوز إلى مقام الصديقين الأخيار.
روى الحافظ عبد الرزاق، والبيهقي من طريقه عن معمر عن ابن أبي إسحاق الهمداني، عن ابن أبي حسين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَلا أَدلُّكُمْ عَلى خَيْرِ أَخْلاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك".
قال البيهقي: هذا مرسل حسن.
ورواه البيهقي موصولًا من حديث علي - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَلا أَدُلُّكَ عَلى خَيْرِ أَخْلاقِ الأَوَّليْنَ وَالآخِرِيْنَ؟"قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال:"تُعْطِيْ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ،"
وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ"."