يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} وَاللَّهُ الْمُعَجِّلُ الْمَوْتَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ حَيْثُ يَشَاءُ، وَالْمُمِيتُ مَنْ يَشَاءُ كُلَّمَا شَاءَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ. وَهَذَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَرْغِيبٌ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَإِخْرَاجِ هَيْبَتِهِمْ مِنْ صُدُورِهِمْ، وَإِنْ قُلَّ عَدَدُهُمْ، وَكَثُرَ عَدَدُ أَعْدَائِهِمْ وَأَعْدَاءِ اللَّهِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ الِإمَاتَةَ وَالْإِحْيَاءَ بِيَدِهِ، وَأَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ أَحَدٌ وَلَا يُقْتَلُ إِلَّا بَعْدَ فَنَاءِ أَجَلِهِ الَّذِي كُتِبَ لَهُ، وَنَهْي مِنْهُ لَهُمْ إِذْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يَجْزَعُوا لِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَوْ قَتْلِ مَنْ قَتِلَ مِنْهُمْ فِي حَرْبِ الْمُشْرِكِينَ. ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَرَى مَا تَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَاتَّقُوهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَإِنَّهُ مُحْصٍ ذَلِكَ كُلَّهُ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلَّ عَامَلٍ بِعَمَلِهِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) }
يُخَاطِبُ جَلَّ ثناؤُهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَهُمْ: لَا تَكُونُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي شَكٍّ مِنْ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّ إِلَيْهِ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ، كَمَا شَكَّ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَاتِلُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ عَلَى يَقِينٍ مِنْكُمْ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ فِي حَرْبٍ، وَلَا يَمُوتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا مَنْ بَلَغَ أَجَلَهُ وَحَانَتْ وَفَاتُهُ، ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى جِهَادِهِمْ فِي سَبِيلِهِ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَوْتًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَتْلًا فِي اللَّهِ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُطَامِهَا وَرَغِيدِ عَيْشِهَا الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ يَتَثَاقَلُونَ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَتَأَخَّرُونَ عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ.