وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوْ كَانُوا غُزًّى} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَوْ كَانُوا غَزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْغُزَّى: جَمْعُ غَازٍ، جُمِعَ عَلَى «فُعَّلٍ» كَمَا يُجْمَعُ شَاهِدٌ: شُهَّدٍ، وَقَائِلٌ: قُوَّلٍ وَقَدْ يُنْشَدُ بَيْتُ رُؤْبَةَ:
[البحر الرجز]
فَالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي ... وَأَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ
وَقُوَّلٌ إِلَّا دَهٍ فَلَا دَهِ
وَيُنْشَدُ أَيْضًا:
وَقَوْلُهُمْ إِلَّا دَهٍ فَلَا دَهِ
وَإِنَّمَا قِيلَ: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى} بِإِصْحَابِ مَاضِي الْفِعْلِ الْحَرْفَ الَّذِي لَا يَصْحَبُ مَعَ الْمَاضِي مِنْهُ إِلَّا الْمُسْتَقْبَلُ، فَقِيلَ: وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ثُمَّ قِيلَ: إِذَا ضَرَبُوا، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: أَكْرَمْتُكَ إِذْ زُرْتَنِي، وَلَا يُقَالُ: أَكْرَمْتُكَ إِذَا زُرْتَنِي؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَذْهَبُ بِالَّذِينَ مَذْهَبَ الْجَزَاءِ، وَتُعَامِلُهَا فِي ذَلِكَ مُعَامَلَةَ «مَنْ» وَ «مَا» لِتَقَارُبِ مَعَانِي ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّ جَمَعَهُنَّ أَشْيَاءُ مَجْهُولَاتٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَاتٍ تَوْقِيتَ عَمْرٍو وَزَيْدٍ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ صَحِيحًا فِي الْكَلَامِ فَصِيحًا أَنْ يُقَالَ لِلرِّجَالِ: أَكْرِمْ مَنْ أَكْرَمَكَ، وَأَكْرِمْ كُلَّ رَجُلٍ أَكْرَمَكَ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ خَارِجًا بِلَفْظِ الْمَاضِي مَعَ مَنْ وَكُلٍّ مَجْهُولًا، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ، إِذْ كَانَ الْمَوْصُوفُ بِالْفِعْلِ غَيْرَ مُوَقَّتٍ، وَكَانَ «الَّذِينَ» فِي قَوْلِهِ: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} غَيْرَ مُوَقَّتَيْنِ، أُجْرِيَتْ مَجْرَى «مَنْ» وَ «مَا» فِي تَرْجَمَتِهَا الَّتِي تَذْهَبُ مَذْهَبَ الْجَزَاءِ وَإِخْرَاجِ صَلَاتِهَا بِأَلْفَاظِ الْمَاضِي مِنَ الْأَفْعَالِ وَهِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي «مَا» :
[البحر الطويل]
وَإِنِّي لَآتِيَكُمْ تَشَكُّرَ مَا مَضَى ... مِنَ الْأَمْرِ وَاسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ