وروى أحمد ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو يوم بدر"اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة .. فلن تعبد في الأرض أبدًا"وما زال يستغيث ربه، ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فرداه به، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك، فإنه ينجز لك ما وعدك. وأنزل الله يومئذٍ {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ} الآية.
أمَّا في يوم أحد: فقد كان بعضهم في أول القتال قريبًا من الافتتان بما كان من المنافقين، ومن ثم همت طائفتان منهم أن تفشلا, ولكن الله ثبتهما، وباشروا القتال مع بقية المؤمنين حتى انتصروا، وهزموا المشركين، ثم خرج بعضهم عن التقوى، وخالفوا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطمعوا في الغنيمة، وتنازعوا في الأمر فقتلوا، وضعف استعداد أرواحهم، فلم ترتق إلى الاستمداد من أرواح الملائكة، فلم يكن لهم منهم مدد في ذلك اليوم.
وحكمة ما حصل بهم في ذلك اليوم تمحيص المؤمنين كما سيأتي في قوله: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ} الآية. وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات، ومعرفة أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول، وأن قتل الرسول أو موته لا ينبغي أن يثبط الهمم، ولا يدعو إلى الانقلاب على الأعقاب، وأن كل ما يصيب العباد من مصائب فهو نتيجة عملهم، وعقوبة طبيعية على أفعالهم.