ثم بين حال أهل الكتاب بقوله (منهم المؤمنون) وهم الذين آمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم، فإنهم آمنوا بما أنزل عليه وما أنزل قبله كابن سلام وأصحابه من اليهود، والنجاشي وأصحابه من النصارى (وأكثرهم الفاسقون) أي الخارجون عن طريق الحق المتمردون في باطلهم، المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما جاء به، فيكون هذا التفصيل على هذا كلاماً مستانفاً جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل هل منهم من آمن واستحق ما وعده الله، وعبر عن كفرهم بالفسق إشارة إلى أنهم فسقوا في دينهم أيضاً فليسوا عدولاً فيه فخرجوا عن الإسلام وعن دينهم.
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)
(لن يضروكم) أي اليهود يا معشر المسلمين بنوع من أنواع الضرر (إلا) بنوع (أذى) وهو الكذب والتحريف والبهت، ولا يقدرون على الضرر الذي هو الضرر في الحقيقة بالحرب والنهب ونحوهما، فالاستثناء مفرغ، قال الحسن: تسمعون منهم كذباً على الله يدعونكم إلى الضلالة.
وهذا وعد من الله لرسوله وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم، وقيل الاستثناء منقطع، والمعنى لن يضروكم البتة لكن يؤذونكم يعني باللسان من طعنهم في دينكم أو تهديد أو إلقاء شبهة وتشكيك في القلوب، وكل ذلك يوجب الأذى والغم.