تقدم ذكره، ويأتي عليه الإنباء: لأنه من صفاتها، والمقصود بهم في الإرسال إلى
العباد: التبليغ عن الله جلَّ ذكره والتبيين عنه.
ثم ينبسط هذا العهد على معرفة الشرائع ومناهج الإسلام كلها، وسبل المحنة
والابتلاء، ومعرفة الجزاء العاجل والآجل، والمقصود المراد بالمرسل أحد المعنيين
السمع والطاعة، وحسن الاقتداء والإيمان والإسلام، ثم التبليغ وإقامة الحجة
والإعذار والإنذار، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
ثم عهد العلم والمراد به من العالم: التبليغ والاتباع والتبيين، والرفق
بالمتعلمين، والصبر على إقامة ذلك، ومقابلتهم من العلم بما تحتمل أفهامهم وعلى
مقدار منازلهم وأحوالهم، فالعهد الأول منتظم للثاني والثالث كما العهد الثاني
منتظم للثالث.
وكذلك ما خاطب القرآن العزيز على نحو ذلك حتى إن ذكر الأعلى طوى فيه
ذكر ما هو دونه، فقال - جلَّ جلالُه - (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) وحذف
-جلَّ جلالُه - ذكر ميثاق أممهم، واللام في قوله: (لَمَا) للتأكيد في الميثاق، والميم اسم لما
أخذ عليهم الميثاق من أجله وهو الكتاب والحكمة، وعطف بحرف"ثم"على
محذوف مقدر، تقديره والله أعلم: فعلمتم به والتزمتم: ثم جاءكم رسول مصدق لما
معكم.
والمقصود الأول بذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - هنا هو محمد، ثم عامة الرسل -
صلوات الله وسلامه على جميعهم - على أزمانهم ونوبهم بدل الأول على الثاني،
ويبشر بمن بقى، ويصدق الثاني الأول ومن سبقه.
والمراد بذكر الرسل - عليهم السلام - هنا أممهم، فهو جلَّ ثناؤه لما أراد أخذ
الميثاق على النبيين أحصر معهم الأمم، وخاطب الأنبياء - عليهم السلام - وطوى
خطاب أممهم في ذكرهم، وأحضر كلاً نفسه وما المراد به، وعهد إليهم - جلَّ جلالُه - بعهد
الربوبية، وما كان ذلك من العهود، ثم بعهد النبوة وما تضمنه، ثم بعهد العلم وما
تضمنه أيضًا.
ثم قال لجميعهم: (أَأَقْرَرْتُمْ) أي: بالعبودية للربوبية والشهادة بالوحدانية،
والسمع والطاعة والاقتداء بالنبوة والرسالة (وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) أي: ثقل