وقد قدمت حديثاً في ثبوت ذلك لعموم الأمة، وإنما يكون ذلك لخواصهم، وعامتهم فيه تَبَع.
وللشبه وجوهٌ أخر ستعرف بعضاً كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولا يلزم من كون علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل أن يكونوا مثلهم في كل وصف هو لهم.
وكذلك لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من الأنبياء كما فهمه الشيخ برهان الدين الناجي رحمه الله فألجأه ذلك إلى تأليف جزء ردَّ فيه على من قال: إنَّه حديث، وأشار إلى تخطئة من ذكرناهم آنفا محتجاً بأنه لم يُوجد في كتب الحديث المعتبرة، وبأنه يلزم منه تسوية علماء الأمة بالأنبياء، وقد وقع الإجماع من أهل السنة على أنَّ الأولياء لا يبلغون درجة الأنبياء.
وقد علمت أنه لا يلزم من اللفظ التسوية المذكورة، وقد أطبق البلغاء والعقلاء على أن المشبه لا يفضل المشبه به في وجه التشبيه المشترك بينهما، فإذا قلت: زيد كالأسد، لا يلزم منه تفضيل زيد في الشجاعة على الأسد، بل مفهومه أن الأسد أبلغ منه في الشجاعة.
فقوله - صلى الله عليه وسلم - - إنْ صحَّ عنه:"عُلُماءُ أُمَّتِي كَأَنْبِياءِ بَنِي إِسْرائِيْلَ"؛ أي: في تقرير الشرائع وفهم الأحكام، لا في النبوة؛ لأن ذلك غير لازم.
ثم إنَّ الأنبياء فيما ذُكر أتم حالاً وأبلغ أمراً من علماء هذه الأمة، كما يفهم من صيغة التشبيه، فهذا اللفظ معناه صحيح.
وأما من حيث النقلُ فإنَّ العلماء الذين نقلوه حديثاً ثقات،
فالأولى حمل أمرهم على أنهم ظَفِروا به مسنداً، ولم نظفر نحن به.
على أن لهذا الحديث شواهد سنوردها قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وإذا تقرر لك أن المشبَّه به أفضل من المشبه في العادة، فأي مانع من تشبيه المفضول بالفاضل لتشبه بعض الصحابة ببعض الأنبياء في السمت.
وقد روى أَبو يعلى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ سرَّه أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تَواضُعِ عيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ".